عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
74
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
( الحكاية التاسعة والثلاثون : عن ذي النون المصري رضي اللّه تعالى عنه ) قال : رأيت في جبل لبنان في كهف رجلا أبيض الرأس واللحية ، أشعث أغبر نحيفا نحيلا ، وهو يصلى ، فسلمت عليه بعد ما سلم من الصلاة ، فردّ علىّ السلام وقام إلى الصلاة ، فما زال راكعا وساجدا حتى صلى العصر ، ثم استند إلى حجر ، وجعل يسبح اللّه ولا يكلمني ، فقلت له : رحمك اللّه ، ادع اللّه عزّ وجلّ لي ، فقال : آنسك اللّه بقربه ، فقلت له : زدني ، فقال : يا بنىّ من آنسه اللّه بقربه أعطاه أربع خصال عزّا من غير عشيرة ، وعلما مغير طلب ، وغنى من غير مال وأنسا من غير جماعة ، ثم شهق شهقة فلم يفق إلا بعد ثلاثة أيام ، ثم قام فتوضأ وسألني : كم فاته من صلاة ؟ فأخبرته ، فقال : إن ذكر الحبيب هيج شوقى * ثم حبّ الحبيب أذهل عقلي وقد استوحشت من ملاقاة المخلوقين ، وأنست بربّ العالمين ، وانصرف عنى بسلام ، فقلت له : يرحمك اللّه ، وقفت عليك ثلاثة أيام رجاء الزيادة ، وأريد موعظة منك وبكيت ، فقال : أحبب مولاك ، ولا ترد بحبه بدلا ، فالمحبون للّه هم تيجان العباد وعلم الزهاد ، وهم أصفياء اللّه وأحباؤه وعباده وأولياؤه ، ثم صرخ صرخة وفارق الدنيا ، فما كان إلا هنيهة فإذا نحن بجماعة من العباد ينحدرون من الجبل ، فتولوه حتى واروه تحت التراب ، فسألت ما اسم هذا الشيخ ؟ فقالوا شيبان المصاب ، رحمه اللّه تعالى ونفعنا به . ( الحكاية الأربعون : عن ذي النون أيضا رضي اللّه عنه ) قال : بينما أنا جالس في بعض أودية بيت المقدس ، إذ سمعت صوتا يقول : يا ذا الأيادى التي لا تحصى ، ويا ذا الجود والبقاء ، متع بصر قلبي في الجولان في جبروتك ، واجعل همتي متصلة بجود لطفك يا لطيف ، وأعذنى من مسالك المتجبرين بجلال بهائك يا رؤوف واجعلني لك في الحالين خادما يا لطيف ، وكن لي يا منوّر قلبي وغاية طلبي في القصد صاحبا ، قال : فطلبت الصوت فإذا هي امرأة كأنها كالعود المحترق ، وعليها درع من الصوف وخمار من الشعر ، قد أضناها الجهد ، وأفناها الكمد ، وذوّبها الحبّ ، وقتلها الوجد ، فقلت : السلام عليك ، فقالت وعليك السلام يا ذا النون ، فقلت لا إله إلا اللّه ، كيف عرفت اسمى ولم تريني ؟